
الكوتشينج بإستخدام علم الأعصاب
شهدت السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا بمجال الكوتشينج الذاتي والمهني بوصفه أداة مساعدة في تنمية القدرات الشخصية وتطوير المهارات الحياتية. لكن السؤال الجوهري الذي ظل مطروحًا هو: ما سر تأثير الكوتشينج في المستفيدين؟ هل يعود ذلك إلى الحوار التحفيزي فقط؟ أم أن العملية أعمق وتمس البنية العصبية للدماغ؟
تشير البحوث الحديثة إلى أن الكوتشينج القائم على مبادئ علوم الدماغ يعمل على تحفيز تغيّرات حقيقية في النشاط العصبي، مما ينعكس مباشرة على السلوك، والقدرة على اتخاذ القرار، وتنظيم الانفعالات
في هذا المقال نستعرض أهم النتائج العلمية التي تتناول العلاقة بين الكوتشينج وعمليات الدماغ، مع التوسع في كوتشينج التربية من الدماغ وفهم تطور دماغ الطفل والمربي
أولا: ماهية الكوتشينج ودوره في فترات التحول الحياتي
ثانيا: الكوتشينج العصبي وأساسه العلمي
ثالثا: نتائج دراسة الانتقال من الكوتشينج التقليدي إلى الكوتشينج العصبي
رابعا: دور أسلوب الكوتش في تشكيل استجابة الدماغ
خامسا: كوتشينج التربية من الدماغ – نحو فهم أعمق لنمو الطفل
سادسا: تطور المربي/الكوتش – الدماغ يتعلم هو أيضا
سابعا: الدلالات العلمية للكوتشينج العصبي والتربوي

أولا: ماهية الكوتشينج ودوره في فترات التحول الحياتي
يعرف الكوتشينج بأنه علاقة تشاركية بين الكوتش والمستفيد، تهدف إلى مساعدته على تنمية قدراته وتوسيع وعيه، ليس من خلال تقديم حلول جاهزة، بل عبر أساليب تعتمد على الأسئلة العميقة، والتأمل، وبناء الرؤية المستقبلية
وتظهر أهمية الكوتشينج بوضوح في فترات الانتقال الحياتي، مثل الانتقال من الدراسة إلى العمل، أو دخول الشباب إلى سوق العمل لأول مرة؛ إذ يحتاج الفرد في هذه المراحل إلى دعم موجّه يساعده على تطويع قدراته للظروف الجديدة
ثانيا: الكوتشينج العصبي وأساسه العلمي

الكوتشينج العصبي هو مقاربة حديثة تقوم على دمج معطيات علم الدماغ في أساليب الكوتشينج، وتنطلق هذه المقاربة من حقيقة علمية مهمة، وهي أن الدماغ يتمتع بقدرة دائمة على التغيير وإعادة تشكيل شبكاته العصبية استجابة للخبرة والتعلم، وهي الظاهرة المعروفة بـ اللدونة العصبية
وبناء على ذلك، فإن الحوار البنّاء والأفكار التي يتبناها الشخص خلال جلسات الكوتشينج قادرة على تكوين روابط عصبية جديدة تعزز التفكير الإيجابي، والهدوء الانفعالي، والقدرة على اتخاذ القرار
ثالثا: نتائج دراسة الانتقال من الكوتشينج التقليدي إلى الكوتشينج العصبي
في دراسة أُجريت على مجموعة من الطلاب الجامعيين في مرحلة الانتقال إلى الحياة المهنية، خضع المشاركون لجلسات كوتشينج لقياس أثرها النفسي والعصبي. وقد شملت الدراسة قياس النشاط الكهربائي للدماغ ومستوى الاستجابة الجلدية قبل الجلسات وبعدها

:وأظهرت الدراسة النتائج الآتية
تحسن في المؤشرات العصبية المرتبطة بالتنظيم الانفعالي،مما يعني قدرة أكبرعلى التعامل مع الضغوط
زيادة في مؤشرات الهدوء الداخلي، وهو عامل مهم لاتخاذ القرارات بمرونة
ارتفاع مستوى التهيّؤ للتغيرات الحياتية، مما يعكس فاعلية الكوتشينج في تسهيل عمليات التكيف النفسي
وتدل هذه النتائج على أن جلسات الكوتشينج ليست مجرد تواصل لفظي، بل عملية ذات أثر مباشر على الدماغ، ترفع من قدرة الفرد على إدارة نفسه والتفاعل مع بيئته
رابعا: دور أسلوب الكوتش في تشكيل استجابة الدماغ
كشفت الدراسات أن أسلوب الكوتش يؤثر مباشرة في المناطق العصبية التي تنشط داخل دماغ المستفيد أثناء الجلسة، وتبيّن وجود نمطين أساسيين
الأسلوب الإيجابي البناء المبني على التعاطف
يشجع المستفيد على رسم رؤيته الشخصية
يساعده في تحديد أهدافه بوضوح
يغذي مشاعر الأمل والقدرة

وتبين أن هذا الأسلوب ينشط مناطق الدماغ المسؤولة عن الإبداع، والتفكير الواسع، وتنظيم العاطفة، إضافة إلى تنشيط الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء
الأسلوب القائم على التركيز على المشكلات
يعتمد على إبراز الأخطاء والضغط لتعديل السلوكيات
يؤدي إلى تنشيط مناطق الدماغ المرتبطة بالتوتر واليقظة المفرطة
وبذلك يتضح أن الجانب الوجداني في جلسة الكوتشينج ليس ثانويًا، بل عامل رئيسي يحدد طبيعة الاستجابة العصبية
خامسا: كوتشينج التربية من الدماغ – نحو فهم أعمق لنمو الطفل
يعد كوتشينج التربية من الدماغ أحد أهم الاتجاهات الحديثة؛ إذ يعتمد على فهم كيف ينمو دماغ الطفل، وكيف تتشكل مهاراته، وكيف تستجيب دوائره العصبية للبيئة الأسرية والتربوية
لماذا يجب على المربي فهم دماغ الطفل؟
لأن سلوك الطفل هو انعكاس مباشر لحالة دماغه وليس لنواياه
لأن الدماغ لا يكتمل نموه إلا بعد منتصف العشرينات
لأن دوائر التنظيم الانفعالي لدى الطفل غير ناضجة، وهو يحتاج إلى مربي واعٍ يساعده على بناءها

مراحل تطور دماغ الطفل
من 0–5 سنوات: نمو سريع للشبكات العصبية، وتأثر كبير بالانفعالات والعلاقات الآمنة
من 6–12 سنة: تطور مهارات التفكير المنطقي، والتحكم بالسلوك، وبداية تشكل العادات
المراهقة: إعادة تشكيل واسعة للدوائر العصبية، وزيادة حساسية الدماغ للمكافأة والانفعال
كوتشينج التربية ودور المربي
المربي أو الكوتش التربوي يحتاج إلى فهم
كيفية تهدئة الجهاز العصبي للطفل
كيف يتعامل مع السلوكيات الصعبة من منظور دماغي
كيف يزرع عادات إيجابية وفق مراحل النمو
سادسا: تطور المربي/الكوتش – الدماغ يتعلم هو أيضا
كما أن الطفل ينمو، المربي أيضا يخضع لمسار تطور عصبي ونفسي
الكوتش الفعال هو من يدرك أن
دماغه يحتاج إلى تدريب مستمر على الهدوء والتنظيم ▪
أن فهمه لذاته يساعده على فهم الطفل ▪
أن بناء علاقة آمنة هي أساس التغيير التعليمي والتربوي ▪
سابعا: الدلالات العلمية للكوتشينج العصبي والتربوي

الكوتشينج قادر على إعادة تشكيل الدماغ عبر توجيه التفكير ▪
المشاعر الإيجابية والرؤية المستقبلية تنشّط مناطق التفكير العميق ▪
الكوتش الواعي يخلق بيئة عصبية آمنة تسهل التعلم ▪
الأطفال يستجيبون أفضل عندما يكون المربي منظمًا عصبيا ▪
ثامنا: التحديات الحالية ومجالات التطوير
نقص الدراسات العربية في مجال الكوتشينج العصبي والتربوي ▪
الحاجة إلى تدريب الكوتشين على أساسيات علوم الدماغ ▪
صعوبة قياس التغيرات العصبية في الحياة اليومية ▪
ومع ذلك، يعد هذا المجال من أكثر الاتجاهات الواعدة في فهم السلوك الإنساني
الخلاصة
يظهر علم الدماغ اليوم أن الكوتشينج ليس مجرد توجيهات لفظية، بل عملية متكاملة تؤثر في البنية العصبية وتعيد تشكيل أنماط التفكير والانفعال والسلوك. وبقدر ما يكون الكوتش قادر على بناء علاقة قائمة على التعاطف والرؤية المستقبلية، يزداد أثر الكوتشينج في دعم المستفيد على التغيير
وعندما نضيف إلى ذلك كوتشينج التربية من الدماغ، يصبح للكوتشينج دور أعمق في فهم الطفل والمربي معًا، وبناء علاقة تنموية قائمة على العلم والإنسانية

